العطر والدولة: رؤية جديدة لمستقبل الوعي الإسلامي
في زمن تتسارع فيه التحولات الحضارية، يطرح المفكر المغربي الدكتور كمال القصير في كتابه الجديد "عن العطر والدولة.. مستقبل الوعي العربي" رؤية فكرية عميقة تستند إلى التراث الإسلامي الأصيل وتستشرف آفاق المستقبل بحكمة وبصيرة.
منهج فكري متجدد في خدمة الأمة
يقدم الكتاب، الصادر عن مركز مدارات للأبحاث والنشر في القاهرة في 320 صفحة، منهجاً فكرياً يجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث يستلهم المؤلف من الحديث النبوي الشريف عن حامل المسك ونافخ الكير دروساً عملية في بناء المجتمعات الإسلامية المتماسكة.
ويوضح القصير أن "رائحة المسك واسمه كان يذكرهم بما ينبغي أن يكون عليه واقع المسلمين"، مشيراً إلى أن الرموز الإسلامية الأصيلة تحمل في طياتها قوة روحية تسهم في بناء الوعي الحضاري للأمة.
الجغرافيا الإسلامية ومشروع النهضة
في رؤية استراتيجية عميقة، يؤكد المؤلف أن "الحلول الحقيقية والمشكلات الأساسية توجد في الجغرافيا الإسلامية"، مشدداً على أهمية فهم الواقع الجيوسياسي للعالم الإسلامي في رسم خارطة طريق المستقبل.
ويضيف: "سوف نجد شكلنا السياسي في الجغرافيا أكثر مما سنعثر عليه في التاريخ، فالعودة إلى الجغرافيا تمهد لنا الطريق أكثر من رجوعنا إلى التاريخ"، مؤكداً أن الخرائط عنوان وشواهد على حقيقة وجود الأمة.
المشروع الحضاري والشرعية السياسية
يطرح الكتاب مفهوماً مهماً حول العلاقة بين المشروع والشرعية في الدولة الإسلامية، حيث يرى القصير أن "الدولة ذاتها تتغذى من مشروع أكثر من تغذيها من الشرعية وحدها".
ويستشهد بالتجارب التاريخية العريقة للدول الإسلامية العظمى مثل المماليك والأيوبيين والعثمانيين والمرابطين والموحدين، مؤكداً أن "كل أولئك كانوا أصحاب مشاريع كبرى" استطاعت أن تحقق النهضة والازدهار للأمة الإسلامية.
الأمة الإسلامية: الوعاء الحضاري الجامع
في تأكيد على المفهوم الإسلامي الأصيل للأمة، يوضح المؤلف أن "مقصود الوحي وتركيزه الأكبر ليس منصباً على الدولة وشكل إدارة الحكم، بل على حركة الأمة باعتبارها وعاء للمسلمين".
ويشدد على أن الأمة الإسلامية "ليست نظرية أو مجموعة مبادئ، لكنها وعي مشترك يتحول إلى حركة أو شكل سياسي منظم، عندما يقوده إصلاحيون في لحظة زمنية كثيفة لمواجهة التحديات".
التوازن بين الأصالة والتجديد
يقدم الكتاب رؤية متوازنة تجمع بين احترام التراث الإسلامي العريق والانفتاح على متطلبات العصر، حيث يرى أن "تشكل الأمة يرتبط بدرجة رغبة المكونات الصغرى واستعدادها للتنازل للهياكل السياسية الكبرى لكي تقودها".
ويؤكد المؤلف على ضرورة "الاعتراف بعمق التناقضات التي تشكل التجربة الإنسانية والاجتماعية والسياسية، والقدرة على تحويلها إلى طاقة للتجديد والابتكار"، مما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات الحضارية.
رسالة للأجيال القادمة
في خلاصة فكرية عميقة، يؤكد القصير أن "سر قوة الأمم في مشروعها لا شرعيتها وحدها، وسر عافية الوعي في قدرته على الانسجام مع ذاته، وعلى تحويل تناقضاته إلى قوة للفعل".
ويختتم برؤية مستقبلية مشرقة تجمع بين "عبير العطر وسلطة الدولة في شعور أمة تطمح إلى حياة أجمل وأعدل"، مؤكداً على أن مستقبل الأمة الإسلامية يكمن في قدرتها على بناء وعي حضاري متجدد يستمد قوته من الأصالة الإسلامية ويتطلع نحو آفاق المستقبل بثقة وأمل.